وقد يختلف ساكنوها الدرزي والمسيحي والمسلم واليهودي فيما بينهم على كلّ ما يختلف عليه الآخرون من حقوق وامتيازات ومن أذى قد يُلحقه هذا بأرض هذا، أو على تجاوز حدّ أو إساءة أو ما إلى ذلك، لكنني أستطيع أن أؤكّد براحة ضمير أن مثل هذه الخلافات قد تنشأ بين الجميع وفي كلّ مجتمع، لكنّها لا تنشأ بين اثنين بسبب انتمائهما الديني، فقد يختلف درزي ومسيحي على الأرض تماماً كما قد يختلف درزي ودرزي، أو مسيحي ومسيحي، أو مسلم ومسلم، أو يهودي ويهودي، ولا يكون في العادة للانتماء الديني أيّ دور في تأجيج نار خلاف مثل هذا.
فالبقيعة كانت وما زالت رمزاً للتعايش والتفاهم والاحترام المتبادل، ولن يستطيع الزائر أو الضيف أو السائح الذي يؤمّها أن يميّز بين درزيّ ومسيحي ومسلم ويهودي على الغالب، ولن يستطيع ذلك إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار زيّ رجال الدين الأجلاء والوقورين من مختلف الطوائف.
وقد درج أهل البقيعة على تبادل التهاني في الأعياد والمناسبات، وبشكل جماعي، فكان وجهاء كلّ طائفة يقصدون معبد الطائفة الأخرى في المواسم والأعياد ليقدّموا لهم التهاني والتبريكات بمناسبة عيدهم، كما انتشرت هذه العادة وما زالت منتشرة حتى يومنا هذا على الصعيد الشخصي.
وأذكر كما يذكر الكثيرون أن الأفراح كان يشارك فيها الجميع أيضاً، ويذكر الكثيرون أنه عندما كانت تعقد خطبة شاب مسيحي كان يُكلّف أحد المشايخ الدروز الأجلاء بطلب يد العروس بشكل رسمي، وعندما تتمّ خطبة شابّ درزي كان يجري تكليف الكاهن المسيحي بطلب يد العروس بشكل رسمي.
والمشاركة كانت أيضاً في الأتراح، وفي تقديم التعازي كانوا يقدّمون "الآخر" دائماً: فعندما كان يتمّ تشييع جثمان شخص درزي كان يدعى المشيّعون الذين من خارج البقيعة أولاً لتقديم التعازي، يليهم المسيحيون، وبعدهم الدروز.
أما عندما كان يجري تشييع جثمان شخص مسيحي فكان يدعى المشيّعون الذين من خارج البقيعة لتقديم التعازي أولاً، يليهم الدروز وبعدهم المسيحيون.
وإن دلّت هذه العادات والتقاليد الحميدة على شيء فإنما تدلّ على التآخي وتآلف القلوب والتفاهم وحسن الجوار والاحترام المتبادل.
والبقيعة القرية الوادعة الآمنة التي غدت موئلاً للزوار والسياح يقصدونها من كلّ حدب وصوب، تحوّلت ليلة الثلاثين من أكتوبر الماضي إلى ما يشبه ساحة الوغى...بل إلى ساحة وغى...
فعندما رأيت بأمّ عيني في الهزيع الأخير من تلك الليلة رجال الأمن المنسحبين من القرية مدجّجين بالسلاح وبما يحملون من عتاد وتجهيزات حسبت للحظة أنني أشاهد جيشاً يقتحم مراكز عسكرية حصينة، لا قرية وادعة يخدم جُلّ أبنائها في الجيش وقوى الأمن المختلفة!
والسؤال الأكبر الذي ما زال يتردّد وسيظلّ يتردّد إلى أن يقدّم له المسؤولون الإجابة هو: لماذا؟ ولماذا؟ ولماذا؟
أجل، لماذا كل هذه القوى؟ ولماذا كل هذه التجهيزات؟ ولماذا كلّ هذه الأحداث؟ فهل حدث ما يستوجب مثل هذا التصرّف؟ وهل كان الأمر اقتحام ثكنة عسكرية محصّنة؟ أم قرية آمنة وادعة؟
وترى، ماذا عن تلك الهوائية اللعينة؟ أليس من حقّ الناس بل ومن واجب الدولة المحافظة على صحّة المواطنين ورعايتها؟
كان من المرفوض أن تقوم السلطات نفسها بانتزاع تلك الهوائية وكلّ هوائية أخرى من شأنها تعريض صحّة السكّان – في كل قرية ومدينة – إلى الخطر وإزالتها من الوجود بل ومعاقبة ناصبيها أيضاً!
أما إذا لم تكن الهوائيات خطيرة، فلماذا لا يصدرون النشرات ويقدمون الإثباتات والأدلّة والبيّنات على ذلك وينشرون الأمن والأمان والطمأنينة ويهدؤون من روع الجميع؟
وهل صحيح أنّ المقصود من تلك الهجمة كان اعتقال عدد من الناس يا ترى؟ ولو كان هذا هو الهدف الحقيقي فلماذا جرى بهذا الشكل؟ وهل أهل البقيعة عُصاة خارجون على القانون يا ترى؟
بالطبع لا، فلطالما طُلب أناس وبشكل يوميّ تقريباً إلى التحقيق أو إلى المحاكمة أو إلى دفع الغرامات ولم نسمع يوماً أن أحداً من أهل البقيعة قد طُلب أو استدعي وامتنع عن الاستجابة لاستدعائه للتحقيق أو لدفع غرامة فرضت عليه، فلم إذن هذا التصرّف؟
إن الهجمة الشرسة التي تعرّضت لها البقيعة في الآونة الأخيرة، وبعض الأعمال التي رافقتها، لتدلّ وبشكل واضح وجلّي على أن المسألة ليست مسألة هوائية قد ينبعث منها شعاع قاتل يؤدي إلى الموت الزؤام في المنطقة القريبة، ولا مسألة قنّ دجاج وتخريب ما فيه، أو العبث بمحتوياته، وإنما أبعد من ذلك بكثير.
وتشير كلّ الدلائل إلى ذلك وبشكل واضح، ففي السنوات الأخيرة ارتكبت جرائم كثيرة في المنطقة، ورغم ذلك فلم يتمّ الكشف عن الكثير منها حتى يومنا هذا، ويشير هذا الأمر إلى أنّ وراء الأكمة ما وراءها، ولو كان المقصود هو استتباب الأمن والنظام فقط لكان قد تمّ الكشف عن كلّ الجرائم المرتكبة منذ زمن بعيد!
وأدّت الأحداث الأخيرة في البقيعة إلى وضع البقيعة في قلب العاصفة، وفي مركز الأنباء وفي قلب الحدث، حتى غدت أخبارها وكأنّها ليست أقلّ شأناً من شأن الأخبار العالمية الهامّة!
وسُمعت في خضم هذه الأحداث أصوات ناشزة ومغرضة ووهمية تهدف إلى نشر الفوضى وزيادة الشائعات الشائنة تشير إلى إمكانية وجود توترات طائفية أو عرقية، وربمّا اندسّت – أو دُسّت - بين أهل البقيعة الشرفاء بعض العناصر التي تسبب في بعض الأذى لبعض الممتلكات، لكن هذه لا تمثّل بأي شكل من الأشكال أهل البقعة ولا يقبل بها أيّ واحد يحترم نفسه ويحترم بلده البقيعة ويحبّها ويهمّه أمرها.
وخلاصة القول إنّ البقيعة كانت ومنذ عصور طويلة وطناً للجميع، ومسكناً وموئلاً لأبناء الديانات المختلفة، تعيش فيها أكثرية من الدروز، ويعيش فيها مسيحيون، ويعيش فيها مسلمون، ويعيش فيها يهود، وللجميع الحقّ في السكن، وللجميع الاحترام والتقدير والإجلال،ويبحث الجميع عن المشترك والموحّد بينهم، ويحترمون ما يميّز الآخر ويفصله عنّا، أي أنّنا نبحث عن المشترك لنقوّيه ونوثّق عراه وأواصره، وعن الخاصّ والمميّز لكلّ طائفة فنحترمه ونجلّه ونقدّره، ونسعى جميعاً إلى العيش المشترك والتآخي والتفاهم والمحبّة والتسامح، ونتسابق في حبّ البقيعة وفي افتدائها بالأرواح والمهج!
وستظلّ البقيعة منارة شامخة بأبنائها، وتعتزّ بأهمّ ما يميّزها من تعددية دينية وتعايش وتسامح وتآخٍ وقيم سامية أخرى سادتها عبر العصور وما زالت تسودها بجميع طوائفها وسكّانها على اختلاف انتماءاتهم الدينية والعائلية والجغرافية والسياسية والحزبية!
وسيظلّ دروز البقيعة ومسيحيوها من أورثوذوكس وكاثوليك ومسلموها وعائلاتها اليهودية يستظلّون بظلّها الوارف الظليل، ويقيناً أنّه ستظلّ الأكثرية الساحقة من سكان البقيعة تصون هذه الروح الأصيلة وتحرص على تنميتها ورعايتها، وتشجّع التعايش والتآخي والتسامح، أبد الدهر!