لـمـاذا الـبقيعه ؟؟
21/06/2010 19:14:00 | מאת: د. منعم حدّاد
إن الهجمة الشرسة التي تعرّضت لها البقيعة في الآونة الأخيرة، وبعض الأعمال التي رافقتها، لتدلّ وبشكل واضح وجلّي على أن المسألة ليست مسألة هوائية قد نبعث منها شعاع قاتل يؤدي إلى الموت الزؤام في المنطقة القريبة، ولا مسألة قنّ دجاج وتخريب ما فيه، أو العبث بمحتوياته، وإنما أبعد من ذلك بكثير. * نُشر في جريدة "الصنّارة" من تشرين الثاني 2007 حتى كانون الثاني 2008

وتشيركلّ الدلائل إلى ذلك وبشكل واضح، ففي السنوات الأخيرة ارتكبت جرائم كثيرة في المنطقة، ورغم ذلك فلم يتمّ الكشف عن الكثير منها حتى يومنا هذا، ويشير هذا الأمر إلى أنّ وراء الأكمة ما وراءها، ولو كان المقصود هو استتباب الأمن والنظام فقط  لكان قد تمّ الكشف عن كلّ الجرائم المرتكبة منذ زمن بعيد!
وأدّت الأحداث الأخيرة في البقيعة إلى وضع البقيعة في قلب العاصفة، وفي مركز الأنباء وفي قلب الحدث، حتى غدت أخبارها وكأنّها ليست أقلّ شأناً من شأن الأخبار العالمية الهامّة!
وسُمعت في خضم هذه الأحداث أصوات ناشزة ومغرضة تشير إلى إمكانية وجود توترات طائفية أو عرقية، وتردّدت الأقوال الزاعمة وكأنّ البقيعة قرية يهودية منذ القدم، ومنذ ألفي عام تقريباً، رغم أن الحقائق التاريخية المعتمدة على الدراسات الأكاديمية الجادّة تشير إلى غير ذلك، وتؤكّد رأياً آخر مختلفاً!
وراجت خلال السنين وانتشرت أساطير مختلفة تزعم أن اليهود استوطنوا البقيعة منذ خراب الهيكل الثاني، أي قبل ألفي عام تقريباً، وأن الاستيطان اليهودي فيها لم ينقطع منذ خراب الهيكل الثاني وحتى أيامنا هذه، وأن البقيعة كانت وما زالت قرية يهودية وعلى مرّ العصور والأجيال!
فهل هذا الادّعاء صحيح؟ وهل له ما يبرّره؟ وهل ثمّة إثباتات ودلائل وحقائق تشير إلى ذلك وتدعمه وتقوّيه وتثبته؟ أم أن هذه المقولات مجرّد مقولات جوفاء يرددّها البعض لغاية في نفس يعقوب؟
وسنحاول أن نلقي الضوء في المادّة التالية على كلّ هذه المواضيع بالتفصيل، لتكون الردّ القاطع على الادّعاءات والفرضيات غير الدقيقة وغير المثبتة!
ولا يعني ما سنقوله أنّنا ضدّ اليهود لا سمح الله أو أننا ضد سكن اليهود في البقيعة، فالبقيعة كانت ومنذ عصور طويلة وطناً للجميع، ومسكناً وموئلاً لأبناء الديانات المختلفة، تعيش فيها أكثرية من الدروز، ويعيش فيها مسيحيون،  ويعيش فيها مسلمون، ويعيش فيها يهود، وللجميع الحقّ في السكن فيها، وللجميع الاحترام والتقدير والإجلال، ويبحث الجميع عن المشترك والموحّد بينهم، ويحترمون ما يميّز الآخر ويفصله عنّا، أي أنّنا نبحث عن المشترك لنقوّيه ونوثّق عراه وأواصره، وعن الخاصّ والمميّز لكلّ طائفة فنحترمه ونجلّه ونقدّره، ونسعى جميعاً إلى العيش المشترك والتآخي والتفاهم والمحبّة والتسامح!      

أسطورة البقيعة اليهودية!
إن من بين ما يميز البقيعة من مميزات، ولربما الميزة اעهمّ التي تميّزها عن سواها من القرى في هذه البلاد، هو كونها ضمّت خلال العصور والأجيال وما زالت تضمّ بين جنباتها سكاناً ينتمون إلى طوائف دينية مختلفة:أ كثرية ساحقة من الدروز، وأقلية من المسيحيين الأرثوذوكس والمسيحيين الكاثوليك، وعائلات إسلامية قليلة وعائلات يهودية أقل منها عدداً، وتمكّنت هذه الطوائف المختلفة من التعايش بسلام خلال العصور.
وفي العقود الستّة الماضية، تزايدت الادعاءات القائلة إن البقيعة كانت يهودية كاملة، أو أن أكثر السكان كانوا يهوداً، ورافق هذه الادعاءات ما رافقها من نسج الخيال والأوهام التي لا أساس لها من الصحة، والتي لا يقبل بها عقل ولا منطق!
وثمة من يزعم أن البقيعة يهودية منذ القدم، وأن اليهود سكنوها حتى قبل أيام الهيكل الثاني بكثير (ترى، من أيام آدم عليه السلام؟ أو قبل ذلك أيضاً؟) أو أنه عندما قام تيطس الروماني باحتلال بلادنا وخرّب الهيكل الثاني وأحرقه ودمّر القدس في العام سبعين للميلاد، جاء اليهود واستوطنوا في البقيعة منذ ذلك الحين وما زالوا فيها حتى اليوم!
وتتالى بعض الأساطير الخيالية والوهمية لتدّعي أن هؤلاء اليهود جاؤوا يحملون حجارة من الهيكل نفسه (وفي رواية "أقل علمية" من هذه - من حجارة مدينة القدس التي دمرت آنذاك)!
ويُقال إنّه يوجد في كنيسها سفر توراة مكتوب على جلد غزال، وأن الحاخام شمعون بار يوحاي اختبأ في كهف يقع فيها هو وابنه إليعيزر مدة ثلاثة عشر عاماً، من الاضطهاد الروماني، وكانا يشربان من ماء عين قريبة منهما ويأكلان من ثمار أشجار الخرّوب القريبة من المغارة التي كانا يختبآن فيها، وأن الحاخام شمعون هذا كتب "سفر الزوهر" في هذه المغارة!
أجل، هذا غيض من فيض مما توصلت إليه بعض "الدراسات العلمية المعاصرة!" التي تفتّقت عنها أذهان بعض الباحثين "المرموقين" من اليهود ومن غير اليهود من الذين يمتازون بأبحاثهم المغرقة في الممالأة والنفاق والرياء أو الموغلة في الجهل والسطحية والضحالة والإسفاف،والتي يرفضها عمالقة الفكر وكبار الباحثين اليهود أنفسهم، وبالذات الكثير من باحثي ما يسمى ب"دراسات أرض إسرائيل!"

أيُّ غزال؟
في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، بعد حصولي – وبامتياز - على الدرجتين الجامعيتين الأولى والثانية في اللغتين العربية والعبرية وآدابهما، كتبت دراسة مستفيضة للحصول على إجازة الدكتوراه، في الجامعة العبرية في القدس، وكان موضوعها "ألبقيعة والمنطقة في مرآة الفولكلور في النصف الأول من القرن العشرين"، واخترت هذه المنطقة بالذات لأن كل موضوع آخر له علاقة بالتراث الفلسطيني كنت سأقترحه كان سوف يُرفض حتماً ب"ذرائع علمية أكاديمية لكون الأكثرية الساحقة من الشعب الفلسطيني تعيش في خارج البلاد ويستحيل الوصول إليها!" ولكون هذه المنطقة بالتحديد تمثّل جميع مناطق البلاد ديموغرافيأ واجتماعياً واقتصاديًا وجغرافيًا وتاريخياً.
وزارني يومها البروفيسور إيثان ليفين، أحد كبار الباحثين العالميين في دراسة مخطوطات الكتاب المقدس، والمعروفين محلياً وعالمياً، والذي كان يحاضر فصلاً دراسياً في جامعة حيفا، وفصلاً آخر في كبريات الجامعات الأمريكية، وكانت تتسابق كبريات دور النشر لنشر كتبه، حتى أن دار النشر التابعة لمكتبة الفاتيكان في روما نشرت أكثر من دراسة من دراساته.
وعندما قمنا بزيارة الكنيس اليهودي في البقيعة، ردّدوا على مسامعه الأسطورة التي ما زالوا يردّدونها حتى صاروا يصدّقون أنها هي الحقيقة نفسها، والتي تقول إن في هذا الكنيس سفر توراة قديم جداً جدّاً، مكتوباً على "جلد غزال"!
طلب البروفيسور ليفين من الجميع أن يدعوه وشأنه، وعمد إلى الخزانة التي في الكنيس ففتحها،وفتح سفر التوراة الذي فيها، والمكتوب على جلد غزال كما قيل له.
وما أن وقع بصره على "جلد الغزال" هذا حتى تغيرت سحنته وقال بصوت مندهش مستغرب ما معناه:"عن أي جلد غزال تتحدثون؟ وأي جلد غزال هو هذا؟ ومن قال لكم مثل هذا الكلام؟ وهل تعتقدون حقاً أن هذا قديم ومنذ مئات السنين؟ أنظروا إلى طريقة التسطير هذه، وإلى أسلوب كتابة الحروف،أهذه قديمة؟ لا،لا أريد أن أخيب آمالكم،قولوا ما شئتم للسياح المساكين، وبيعوا لهم حتى الأحجبة والتمائم إذا أردتم،أما لي،فإياكم أن تقولوا هذا الكلام مرة ثانية!"
أما عندما أرَوْهُ حجارة تحمل بعض النقوش وقالوا إنها من بقايا الهيكل القدسي والتي حملها اليهود الذين جاؤوا إلى هنا على ظهورهم قال لهم:"تعالوا معي لأريكم في الجليل فقط الكثير من هذه الحجارة، والرموز التي عليها رموز خصب وغيرها من الرموز التي نجدها لدى جميع الشعوب القديمة في غرب آسيا والشرق الأوسط والبلقان وشرق أوروبا كلها تقريباً!"

"زوهر" البقيعة أو "زوهر" إسبانيا؟!
ويبدو أن البعض ملكيّون أكثر من الملك نفسه، حيث يدّعون أن سفر الزوهر كتب في البقيعة، أما في الموسوعة التي تسمى אנציקלופדיה להווי ומסורת ביהדות ويمكن ترجمة اسمها ب" موسوعة التراث والتقاليد في اليهودية"، ومؤلفها يومطوف لفينسكي، (ألجزء الأول،1975، الصفحتان 167 و 168) فقد قيل ما معناه إن سفر الزوهر اكتشف أول ما اكتشف في إسبانيا، في القرن الثالث عشر، وان مكتشفه هو الشخص الغامض (איש המסתורין) الحاخام موشيه دي ليؤون، وينسبونه إلى الحاخام شمعون بار يوحاي وتلاميذه، وأن الزوهر يحتوي على عدة "طبقات" حديثة أكثر بكثير من زمان بار يوحاي،(عن الفتوح الاسلامية مثلاً والتي بدأت في القرن السابع وعن الحروب الصليبية التي بدأت بعد ذلك بكثير، بينما شمعون بار يوحاي عاش في القرن الثاني للميلاد كما يبدو) ولذلك انقسم الباحثون واختلفوا حول هوية مؤلفه، ويميل أكثر الباحثين إلى الاعتقاد أن الحاخام موشيه دي ليؤون نفسه هو الذي ألفه بنفسه، كلّه أو بعضه، ونسبه إلى شخص عظيم مثل بار يوحاي!
وعن بار يوحاي نفسه يقول إنه هو وتلاميذه كانوا من بين مجدّدي السنهدرين في ... أوشا (لا في البقيعة) وقد نشأت عنهم أساطير عجيبة كثيرة!
أما الموسوعة العبرية (المجلد السادس عشر) فتفرد فصلاً طويلاً عريضاً لسفر ال"زوهر" وعن تأليفه تقول إن الشخص الذي نشره كان ال"מקובל" (يقابل معنى المتصوّف إلى حدّ ما) الإسباني موشيه بن شمطوب دي ليؤون، المتوفى في العام 1305 ميلادية، وأن زوجة دي ليؤون هذا وابنته صرّحتا أنه لم يكن لديه أي مخطوط قديم لسفر الزوهر ينسخ عنه، وهذه شهادة على أن دي ليؤون هو نفسه الذي ألف الزوهر ونسبه إلى بار يوحاي.
وعن بار يوحاي تقول إنه كان في "تقوع" وليس في البقيعة، وفي آخر سطر فقط قيل إن هناك روايات متأخرة تشير الى البقيعة...
خسارة، راح سفر "الزوهر" على البقيعة...! 

لهفة المستشرقين
إن أول من كتب عن البقيعة في أوائل القرن العشرين كان المرحوم إسحق بن تسفي (الرئيس الثاني لدولة إسرائيل)، وبن تسفي هذا كرّس حياته كلها للبحث عن أشتات بني اسرائيل حيثما كانوا، ولا يخلو كتاب من كتبه من تفاصيل عن بعض اليهود في مكان ما من العالم، وبشكل خاص في الشرق الأوسط، وكذلك في تاريخ "أرض إسرائيل"، ومعروف عنه كم كان متلهفاً لإعادة كلّ ما في البلاد إلى أصول يهودية وربطها بها وبالتوراة!
وبن تسفي ليس وحيداً في توجهه البحثي هذا، فهو يواصل طريق المستشرقين وينضوي تحت لواء مدرستهم، التي كانت متلهفة لتتبع آثار الكتاب المقدس، واستعادة التاريخ القديم، ومحاولة إحياء ما كان متبعاً منذ عهد التوراة، هذه اللهفة المحمومة التي حدت بكثيرين إلى نشر ادعاءات مختلفة (دون تقديم أية أدلة أو بيّنات تثبت ذلك) وتقول مثلاً كما قال دافيد بن غوريون ويسرائيل بلكيند وسواهما من أن الفلاحين الفلسطينيين هم اليهود الأصليون و"يجري في عروقهم دم يهودي"! واضطروا بسبب الشدائد أن يتنكروا لدينهم...!(שלום אטינגר: הציונות,הבעיה הערבית והמנדאט הבריטי,הוצ’ קרני,תל-אביב 1987,עמ’ 56).
ومثل هذه الدراسات "الموضوعية" "الصدّيق" الذي يقع إلى الغرب من البقيعة، فقد كان "البقيعيون" إلى وقت قريب، وعلى اختلاف طوائفهم، ينذرون له النذور ثم يقومون بزيارته، وإيقاد الشموع فيه والتبرّك به، وكانوا يسمّونه "يوسف"، واختلفت التفاسير في هوية الشخص المدفون في ذلك الضريح، حتى جاء بن تسفي ورجح أن هذا هو ضريح الحاخام يهوشع بن حنانيا، وجاءت وزارة الأديان فقالت لا، بل هو الحاخام أوشعيا إيش طيريا، وأخيراً جاء أعوان الحاخام أريه درعي، وأقاموا مركزاً بجانبه،ولا أحد يدري من هو اليوم: يوسف؟ يهوشع؟ أوشعيا؟ أو وليّ آخر من أولياء الله الصالحين؟
كلّ دراسات بن تسفي قديمة، بل ورائدة أيضاً، ولكن للباحثين المعاصرين عليها مآخذ ومآخذ، وأذكر أنني عندما حصلت على إجازة الدكتوراه من الجامعة العبرية في القدس،في أواخر السبعينيات، كان من المفروض أن تقوم إحدى هيئات الجامعة بنشر الرسالة، شأنها شأن كل رسالة جامعية أنالت صاحبها درجة الدكتوراه.
ودعيت ذات يوم لمقابلة إدارة تلك المؤسسة، وأنحى عليّ القائمون على المؤسسة باللائمة، لأنني توصلت في مقدمتي التاريخية إلى استنتاجات مغايرة لما توصل إليه بن تسفي حول تاريخ البقيعة!
وقلت لهم، فيما قلته، إن أعضاء اللجنة التي قامت بفحص رسالتي الأكاديمية ومناقشتها يحملون جميعاً درجة الأستاذية (البروفيسور)، وكلهم يهود، وكلهم ضليعون في هذا المجال، وأنا إنما اعتمدت على مصادر علمية عبرية ويهودية مختلفة!
لكن هذا لم يجد نفعاً، ف"نصحني" البعض أن أقوم بإعادة كتابة المقدمة التاريخية للرسالة، لتناسب استنتاجات معينة سابقة، وألمحوا لي أن هذا سيعجّل في نشر رسالتي وربّما في ترجمتها إلى عدة لغات ونشرها وتوزيعها عالمياً، لما فيها من أهمية وخصوصية، (وربّما يعود هذا علي بربح وفير من ريع الكتاب، وربّما بمنصب مرموق أيضاً!) لكنني لم أبع الأمانة العلمية ولا الضمير ورفضت كل المغريات والإغراءات على الفور، وهكذا، كانت رسالتي إحدى الرسائل القليلة التي قدر لها ألا تنشر، وظلت رسالتي طيّ النسيان حتى اطّلع على نسخة من المخطوطة أحد القائمين على إحدى كبريات دور النشر في إسرائيل، فبادر إلى استئذاني في نشرها، وهكذا كان!

ماذا كتب بن تسفي؟
يبدو أن بن تسفي كان أول من قال إن البقيعة هي بقيعين، بعد أن زارها (كما هو مرجّح) في أواخر العهد العثماني، أو أيام الحرب العالمية الأولى (فقد اختلفت الروايات حول موعد أول زيارة قام بها إلى البقيعة)، ونشر كتيباً أسماه بما يمكن ترجمته ب"الاستيطان اليهودي في البقيعة" הישוב היהודי בכפר פקיעין، صدر في العام 1922 في تل أبيب، ويقع في ثلاثين صفحة من القطع الصغير، ستٌّ منها تضمّ صوراً ليهود ولمواقع من البقيعة، وأربع صفحات فقط عن البقيعة، والبقية الباقية عن الفلاحين اليهود في أماكن أخرى في الجليل ولبنان.
ويستهلّ بن تسفي كتابه عن الاستيطان اليهودي في البقيعة بمقدمة شاعرية أسطورية ويقول كأن الأخبار التي تصل من "إخوتنا الضائعين هؤلاء" تبدو وكأنها تصل من "أبناء موسى" الذين وراء نهر السمبطيون الأسطوري (الذين لا يستطيعون اجتيازه كل أيام الاسبوع لهيجانه، حسب الأسطورة، ولا تهدأ ثورته إلا أيام السبت، حيث يحرّم عليهم السفر، لذا فهم محاصرون وراءه)، أو كأنهم من "يهود الخيبر" الذين كانوا في الصحراء العربية.
أي أن بن تسفي نفسه يقارنهم بيهود أسطوريين مُحتجزون وراء نهر السمبطيون، ولا يوجد أي دليل على وجودهم الواقعي المحسوس، ولو كان على يقين مما يقوله – وهو الباحث الرصين- فلربّما ما لجأ إلى هذا الأسلوب!
ثم يكتب بن تسفي:"הכפר פקיעין ובערבית البقيعة (אלבקיעה) הוא כפר גדול הנחבא בין הסלעים במורד הרי צפת,הכפר עשיר במים,ומבורך באוויר צח ובריא.מעין מים אחד, הידוע בשם נהר חבוש" (חבוס),זורם מתחת ההר,אשר עליו נטוע "חרובו של רבי שמעון בר יוחאי" לתוך ברכה רחבה שממנה שואבות כל בנות הכפר..."(עמ’ 3).
أجل، يخيّل لنا أنّ هذه هي اللبنة الأولى في الصرح الوهمي الذي ابتناه بعض الباحثين خلال السنين الخوالي ليثبتوا أن البقيعة هي هي بقيعين وأنها قرية يهودية منذ أقد العصور!

ولنناقش ما كتبه بن تسفي بتعقّل وروية:
فبالنسبة للبركة التي في وسط القرية: ينشر بن تسفي على الصفحة 25 من كتيبه ذاك صورة ل"العين والبركة في قلب القرية" (أي قرية البقيعة، ولا يجد كلّ من يتصفح هذه الصورة ويدقق فيها أي أثر لبركة أياً كانت! (
أضف إلى ذلك أن أياً من الرواة الكثيرين الذين سبق وتحدثنا إليهم خلال ساعات طويلة، في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، وكانوا جميعاً من المسنين المعمرين الذين يذكرون البقيعة جيداً (وبخاصة عين الماء التي في وسط البلد حتى في بداية عهد الانتداب) لم يذكر أحد منهم قطّ بركة كهذه، أللهم إلا إذا كان مجرى الماء الصغير (قناة،ساقية صغيرة) يعتبر بركة ماء، وهذا ما لا يقبله عقل ولا منطق!
أما نهر ال"حبوش" أو ال"حبوس" فيقال عنه كل ما قيل عن البركة الوهمية السابقة، فلا الرواة ولا الجغرافيون ولا دارسو جغرافية المنطقة سمعوا بنهر كهذا، وعلى العكس فقد قال لنا أحدهم إن من يهتدي إلى نهر يسمى بهذا الاسم في بلدان الشرق الأوسط كافة فليخبرنا وله جائزة!
نعم، هناك وادٍ يعرف باسم وادي الحبيس، ولكن ليس الحبوش ولا الحبوس، يقع بعيداً إلى الشمال من البقيعة، وإلى الجنوب من حرفيش، وهو أقرب إلى حرفيش منه إلى البقيعة، وفيه عيون ماء وينابيع وغدران، لكنه يبعد عدة كيلومترات عن البقيعة، ولا يقع أبداً في وسطها.
وحتى إذا اعتبرنا أن وادي الحبيس القريب من حرفيش هذا هو نهر الحبوش أو الحبوس الذي يقصده بن تسفي ويقول إنه في قلب البقيعة، فقد يكون هذا دليلاً ناصعاً مؤكداً على عدم توفّر الدقة العلمية والموضوعية فيما كتبه بن تسفي عن هذا النهر الوهمي، وما يقال هنا قد يقال في مواقع أخرى أيضاً.
أما القول إن قرية بقيعين وبالعربية البقيعة فلن يستطيع أحد أن يفسّر هذا التوافق بين الاسمين، ولا كيف استنتجه بن تسفي،فهو لا يشير البتة إلى كيفية استنتاجه التوافق بين الاسمين،ولا كيف عرف أن بقيعين هي البقيعة، ولم يورد ولو سبباً واحداً يؤكد ما يقوله ويدعم رأيه، وهذا مجرد قرار ارتجالي لا يستند إلى أية حقيقة علمية ولا منطقية.

ألـ"أكاديمي" وعين يوسي!
وهذا الأسلوب الارتجالي الاعتباطي ليس غريباً على بعض "الباحثين"، فإذا كنّا نلتمس العذر لبن تسفي الذي كتب ما كتب قبل ثمانين عاماً ونيف، فلا يستطيعنّ أحد أن يلتمس عذراً لبعض "باحثي" هذه الأيام "الأكاديميين"،وذلك لأنه قبل سنوات قليلة فقط، كنا نقف مجموعة من الجيران في مدخل البلد، وعندما ما يسمي ب"عين البرّانية"، وإذا بمجموعة من الشباب يصلون إلى المكان، وكلّ منهم يحمل خريطة مفصّلة، حتى يكاد الرائي يحسبه مهندس مساحة أو تخطيط...
وسألونا عن "عين يوسي" التي تقع في هذا المكان بالضبط، حسب الخرائط التي في يديهم!
فقال لهم أحد الحضور:لا يوجد في كل هذه المنطقة عين تسمى عين يوسي، فهذه عين البرانية ،وفي قلب البلد عين البلد، وهناك وهناك... وسرد أسماء كل الينابيع التي في المنطقة،وقال إنه لم يسمع طول حياته ب"عين يوسي" هذه!
فنظر إليه أحد الشباب وقال معاتباً:أتظننا جهلة أيها الرجل الطيب؟ نحن معلمون مشاركون في دورة ידיעת הארץ (أي "لمعرفة البلاد" وقد قالها بالعبرية)،وهذه خرائطنا تحمل اسم عين يوسي في هذا المكان، بالإضافة إلى بقية العيون التي ذكرت، أضف إلى ذلك أن الذي درّسنا الموضوع أكاديمي متمكّن من موضوعه، دقيق في عمله، ويعمل مسؤولاً في... و و و ...
فقال له الرجل:والبركة وألف بركة أيها الضيف الكريم، منكم ومن الذي علمّكم، وأهلاً بكم في بلدكم هذه، وعلى الرحب والسعة، وأؤكد لك أن آفة التعليم في بلادنا هي هذه الأمور ولا شيء سواها،وإن كنت لا تصدقنا فاذهب واسأل من تريد...
ونظر أحدهم إلى الجنوب فرأى مياهاً متجمّعة في إحدى الحواكير القريبة، فهتف بزملائه يستحثّهم ليتوجهوا إلى عين يوسي هذه التي اهتدى إليها أخيراً،ولسان حاله يقول:وجدتها!
فما كان من صاحب الحاكورة التي تقع فيها "عين يوسي" هذه  والذي كان قريباً إلا أن صاح بهم: إحذروا أيها المعلمون، إحذروا...، ذنبكم على جنبكم، فليست هذه العين سوى مياه الصرف الصحي (المجاري) والمياه العادمة التي تتسرّب من الحفرة الامتصاصية التي تقع فوق الحاكورة! 
أجل،هكذا فلتكن دراسة الجغرافية والتاريخ "والا بلاش"!

كلّ الأسـماء...
ويبدو أن لهفة بعض "الباحثين" على ترسيخ الوجود اليهودي في البقيعة وإعادته إلى عصور موغلة في القدم حملتهم على اعتبار كل اسم يشترك مع اسم البقيعة في حرفين أو أكثر مطابقاً له، وأن هذه القرية هي المقصودة في تلك المصادر...
فهذا بن تسفي لا يكتفي بما قاله عن البقيعة ونهر الحبوش الذي يتوسطها وإنما يقول إنه "יש לאחדה עם תקוע שבגליל"(ص 4) ولا يقدم ولو سبباً واحداً يدعم موقفه ذلك، بل على العكس فهو يقول في الصفحة التالية إن الباحثَيْن المسيحيين أيسبيوس وهيرونيموس اللذين عاشا في القرن الرابع لا يذكران البقيع تقوع، وإنما يذكران تقوع التي في صحراء اليهودية (والتي ولد فيها النبي عاموس التقوعي).
ولو كان اليهود حقّاً يقيمون في البقيعة منذ القرن الأول الميلادي أو قبل ذلك كما يزعم البعض فلماذا لم يذكرهم هذان الباحثان القديمان اللذان ذكرا تقريباً كل أماكن تواجد اليهود في البلاد في تلك الفترة؟
ويتوصل بن تسفي إلى استنتاج غريب مفاده أنّه في أيام البيزنطيين تحول الاسم القديم تقوع الى فقع/بقع أو بقيعين، بسبب التشابه في لفظ الحروف، ونحن لا نجد تشابها بين تقوع وبقيعين الا في حرفي القاف والعين، فهل يعقل أن يؤدي مثل هذا التشابه إلى تبديل الاسم كله؟ ثم كيف تحولت بقيعين الى البقيعة؟ ولو قبلنا بهذا الرأي لوجدنا أن قرى ومدناً كثيرة في بلادنا تحمل نفس الاسم تقريباً!
وهو يسترسل في نظريته هذه ويقول إنّه في أواخر العصر البيزنطي يجد بقيعين تحمل اسم פקע או פקא. وأن يوسي من بقيعين مدفون في البقيعة، رغم أن وزارة الأديان أقامت له ضريحاً قريباً من صفد!

وباحثون آخرون!
وينحى منحى بن تسفي باحثون آخرون، يحاولون أن يطابقوا بين اسم البقيعة وبين اسم بقيعين وبين كل اسم آخر يحمل شبهاً طفيفاً، فكل الأسماء التالية، في رأيهم، تدل على البقيعة، وهي: תקוע,בקיע,לבוקע,פקע,בקע,פקא,בקיע,בוקיעא، لكن أحداً منهم لا يقدم ولو دليلاً واحداً يدعم موقفه ويؤيد استنتاجه الاعتباطي!
وهذا مثلاً الرحالة موشيه باسولا الذي زار المنطقة في العام 1522 يكتب ما معناه:"وأكثر جمهور صفد،وكل جمهور לבוקע" ويستنتج بن تسفي من هذا أن باسولا يقصد البقيعة،رغم أن كل من يلفظ اسم سهل البقاع اللبناني مسبوقا بأل التعريف يلفظه ك:"لْبُقاع"، مثلاً: "منِلْبُقاع".
ومثل بن تسفي كلاين أيضاً الذي يقول إن بقع هي بقيعين،وآخر يقول إنّ בקע Baca  هي בקע / פקע.
وكل هذه مجرد فرضيات يوردونها ولا يقيمون عليها ولو دليلاً واحداً.
وعليه فينسب بعض الباحثين إلى البقيعة أسماء عديدة،عرفت بها خلال العصور، وفي المدوّنات التاريخية المختلفة، كما يزعمون، ويقولون إن البقيعة عرفت بكل واحد من هذه الأسماء وذكرت به في المدونات التاريخية.
وما يتكرر في جميع هذه الحالات هو اعتبار كل اسم من هذه الأسماء وكأنّه يدلّ على البقيعة، دون تقديم أي دليل مقبول على هذه الاستنتاجات، واعتمادهم الوحيد يكون على التشابه الموجود بين حرف أو اثنين من حروف كل اسم من هذه الأسماء، وبين اسم البقيعة.
والموسوعة اليهودية "يودايكه" والموسوعة العبرية أيضاً تقولان إنّ بقيعين هي بقع أو فقع، ولكن كيف؟ لا أحد يعرف، ولا أحد يقدم ولو دليلاً واحدًا على ذلك!
وزئيف فيلنائي ليس واثقاً تماماً من التوافق بين الاسمين، لذا يقول: بقيعين، كما يبدو، أول ذكر لها بشكل بقع وربما هي بقع أو فقع.
ويكتب شمس الدين أبو عبدالله بن أبي طالب الأنصاري الدمشقي (1256 – 1327) عن دمشق ومنطقتها، ويذكر جبل البقيعة، والجرمق حيث عاش اليهود، لكنه لا يذكر أي وجود يهودي في البقيعة، رغم أن الجرمق لم تكن بعيدة عنها!
ومثل الدمشقي العثماني أيضاً الذي يكتب عن تاريخ صفد (1372 – 1374 ميلادية)، ويذكر البقيعة وسكانها، لكنه لا يشير إلى أي وجود يهودي فيها في القرن الرابع عشر،ولو كان فيها يهود حقاً في هذه الفترة، فلماذا لم يذكرهم؟

ماذا قال أوليفانت عن البقيعة؟
ويحاول البعض أن يتشبث بما قاله لورنس أوليفانت عن يهود البقيعة الذين يدّعون أنهم يعيشون هنا منذ أقدم العصور، ولا يكترث هؤلاء المتشبثون بما يقوله أوليفانت من أنه في البقيعة: יושבת קהילה של יהודים הטוענים כי הם יוצאי חלציהן של משפחות שעבדו את האדמה באותו מקום עצמו לפני חורבן ירושלים והליכת העם בגולה!
فمن جهة يدّعون أن اليهود قدموا إلى البقيعة من القدس، بعد خراب الهيكل، يحملون حجارة الهيكل (أو حجارة القدس) على أكتافهم وظهورهم، ومن جهة أخرى ها هم يدّعون أمام أوليفانت أنهم ذرّية العائلات التي اشتغلت (فلحت) الأرض في المكان نفسه قبل خراب الهيكل وخروج اليهود إلى المنفى.

فأي الإدّعائين نصدّق؟ ألا يناقض أحدهما الآخر؟
وهم لا يبلغون أوليفانت بذلك، ولا يقولون له هذا، ولا يخبرونه به، وإنما يدّعون ادّعاء، ولا يؤخذ بادّعاء ما لم تثبت صحته، ولو ارتكز البحث العلمي على مجرد ادعاءات دوت إثبات صحّتها لما كانت هناك علوم، ولا دراسات ولا بحوث...
وواضح أن اليهود هم الذين ادعوا هذا الادعاء دون أن يقدّموا لأوليفانت أي دليل يثبت ادعاءهم، ويدعم أقوالهم، ويجدر بنا ألا ننسى أنّ الذاكرة الشعبية لا ترقى إلى أكثر من ثلاثة أجيال ماضية،وحتى لو ضاعفنا هذا العدد من الأجيال لما وصلنا إلى ما ادّعاه هؤلاء، ونحن لا نعلم أنّهم قدّموا لأوليفانت ولا لسواه أية وثائق مكتوبة تدعم ادعاءاتهم وتدلّ على قدم استيطانهم هنا، ولو كان ما يدّعونه صحيحاً فلماذا لم يحتفظوا بأية وثيقة مكتوبة كانت؟ ولا يستطيع أحد تعليل ذلك بالأمّيّة، لأن هذا لا يتفق والادعاء القائل بقِدَمِ سفر التوراة الذي في كنيس البقيعة، بل على العكس،إن وجود سفر التوراة يثبت معرفتهم القراءة والكتابة، لا العكس، ولن يكون صعباً عليهم الاحتفاظ بوثائق في مكان كتب فيه "سفر الزوهر" لو كان هذا صحيحاً!

معنى الإسم
يختلف المفسّرون بشأن معنى اسم البقيعة، فيقول البعض ومنهم بن تسفي مثلاً (ومثله مقتفو أثره) أن الاسم تقوع لأن القرية كانت مغروسة (عالقة؟) بين جبلين הכפר תקוע، ويتراجع في مكان آخر حيث يقول إن معناه هو بقعة أو ( בקע شق؟ انكسار؟)
وفي معجم أسماء المدن والقرى اللبنانية (بيروت 1972 ص. 30) يقول العلامة أنيس فريحة إن اسم البقيعة "قد يكون عربياً تصغير بقعة، وقد يكون ... معناها مصاطب، أو قواعد الأعمدة الكبيرة (ربما مكان أثري يظهر فيه بقايا أعمدة؟) أو من ... الشقّ، والصدع، والكهف أو المغارة، من جذر "فقع" :شقّ وصدّع..." ويفيد أن عدة قرى لبنانية تحمل هذا الاسم (بالإضافة إلى أماكن أخرى في فلسطين واليهودية ما زالت تحمل نفس الاسم حتى يومنا هذا).
أما الاسم بقيعين فلم يظهر إلا في أواسط القرن الثامن عشر كما تقول الموسوعة العبرية (في المجلد الثامن والعشرين).
ويقول زئيف فيلنائي، أحد كبار باحثي تاريخ البلاد وأساطيرها في كتابه אריאל – אנציקלופדיה  לידיעת ארץ ישראל إن "الاسم بقيعين يظهر لأول مرة في أواخر القرن السابع عشر"!

ألدروز في البقيعة
لن نناقش قضية استيطان إخواننا الدروز في البقيعة، فلديهم من الباحثين والدارسين الجادّين الذين يستحقّون التقدير والاحترام مَن يستطيع إنجاز هذه المهمة بيُسر، ونكتفي بالإشارة إلى ما ورد في كتاب סלמאן פלאח:תולדות הדרוזים בישראל,הדפסה שניה,1977 עמוד 11 حيث قال ما ترجمته:"لم يتمّ الاستيطان (الدرزي) دفعة واحدة،وإنما خلال أزمنة مختلفة، وعلى ثلاث مراحل:
1.   زمن تأسيس الدين الدرزي،في السنوات الأولى للقرن الحادي عشر.
2.   في فترة حكم الدروز من آل معن على شمال فلسطين في القرنين السادس عشر والسابع عشر.
3.   موجات الهجرة المتواترة خلال الثلاث مائة سنة منذ انتهاء حكم المعنيين وحتى اليوم.    
كما يؤكد ذلك الدكتور شكيب صالح أيضاً في كتابه תולדות הדרוזים  (ירושלים 1989 עמוד 191) قائلاً  ما ترجمته "الاستيطان الدرزي في فلسطين قديم، بدايته مع بداية دين التوحيد"...

ادّعاء باطل!
ويدّعي البعض أن المسيحيين في البقيعة هم من بقايا الصليبيين، وليس أشدّ بطلاناً وبعداً عن الحقيقة مثل هذا الادعاء، والذي لا يدعمه أصحابه ولو بدليل واحد ولا يقدّمون ولو برهاناً واحداً على صحّته!
ومعروف أن الكثير من القبائل العربية التي نزحت إلى فلسطين واستوطنتها قبل الفتح الإسلامي كانت تدين بالمسيحية، ومما لا ريب فيه أن بعض هذه القبائل وصلت إلى الجليل أيضاً واستقرّت فيه، فلماذا لا يكون هؤلاء من بقاياهم؟
ولقد عُرفت بصرى ومنطقة حوران ومدينة بيسان كمراكز لمناطق مسيحية خلال قرون عدة، كما أن دولة الغساسنة (التي كانت تدين بالمسيحية) ازدهرت في جنوب غرب سوريا وشمال الأردن وشمال شرق فلسطين، وامتدّ حكمها إلى هذه المناطق أو بسطت سلطانها عليها أو قريباً منها أيضاً، فلماذا لا يكون هؤلاء من بقاياهم؟
ثم ليتفضّل هؤلاء الذين يسوقون هذا الادعاء الباطل وليقدّموا الدليل ويقيموا البرهان  على صحّة ما يدّعونه، أو فليتفضّلوا ويبادروا إلى إجراء بحث جادّ ويبحثوا عن الصفات والملامح الصليبية المعروفة ويبحثوا عنها بين جميع السكّان في كلّ مناطق البلاد، ثم ليقولوا حينها وبملء أفواههم من هم الذين من الجائز أن يكونوا حقّاً من بقايا الصليبيين!
وليتفضل هؤلاء فيقدموا لنا اسماً واحداً من أسماء العائلات المسيحية في البقيعة ينحدر من أصول صليبية، هل هو – مثلاً – حدّاد؟ أم صباغ؟ أم شداد؟ أم بيطار؟ أم حاج؟ أم عبده، أم ماذا؟
ثم أين هي الآثار الصليبية التي في البقيعة أو في منطقتها؟ وأين هي أسماء المواقع الصليبية التي في البقيعة أو في منطقتها؟ إن كانت ثمة أثر أو اسم واحد منها فليتفضل هؤلاء ويدلّونا عليه!
ولو كان هؤلاء من بقايا الصليبيين حقاً، فلماذا لم يحتفظوا بأسماء صليبية؟
كما كان في جيش صلاح الدين الأيوبي،الفاتح العظيم، عدد ليس بالقليل من الجنود والقادة المسيحيين الذين حاربوا تحت لوائه ضد الصليبيين، وقال كثيرون من الرواة المحلّييّن الذين كنت قد قابلتهم في الماضي، إن جيوش صلاح الدين مرّت في البقيعة (في منطقة وادي المرباع أو أمّ رباع؟) فلماذا، مثلاً لا يكون المسيحيون الذين في البقيعة من بقايا المسيحيين الذين كانوا في صفوف جيش صلاح الدين وليس من بقايا الصليبيين؟ ومن لديه ما يثبت هذا أو عكسه فليتفضّل وينشره!

من أيام المسيحيين!
ويقول رياض نجيب الريس في كتابه "المسيحيون والعروبة"(ص. 87–89) "إنه كان للنصرانية الأرثوذوكسية يومان أغرّان في تاريخ العرب القومي: يوم في الشام ويوم في العراق.
أما يومها في الشام فقد كان حينما زحف الإسلام من الحجاز إلى هذه الديار ليحررها من استعمار الإمبراطورية االبيزنطية. فقد رفض النصارى العرب أن يحاربوا في صفوف الجيش الروماني وانضم كثيرون إلى صفوف العرب المسلمين وقاتلوا جنود قيصر.
وأما يومها في العراق فقد كان حينما انضمّ المثنى بن حارثة على رأس قبائل بني شيبان إلى جيش سعد بن أبي وقاص في فتح بلاد العجم في قتال كسرى. وكان شباب بني شيبان النصارى الأرثوذوكس على أبواب القادسية، يهتفون للفتح العربي القومي ويحاربون لتحرير العرب من استعمار الفرس.
وهذان يومان أبيضان يحفظهما تاريخ العرب والإسلام للنصرانية الأرثوذوكسية في أشرق صفحة من صفحاته. فقد نسيت هذه الأرثوذوكسية الخلاف بينها وبين الإسلام في الدين أمام دفع الأجنبي عن الوطن ولكنها ذكرت القومية فانضمت إلى لوائها وتحمست للعروبة في سبيلها".
ويضيف رياض نجيب الريس في كتابه "المسيحيون والعروبة"(ص. 87–89) "أما ما تعلمته في بيتي، فكان في كانون الثاني 1937، عندما جاء أحد أعضاء لجنة المراقبة الدولية إلى أنطاكية ليحققوا في دعوى الأتراك في سلخ لواء الإسكندرون عن سوريا وضمّه إلى تركيا. فأغلق الأتراك المساجد يوم الجمعة في وجوه المسلمين من العرب السوريين ليمنعوهم من الصلاة والتظاهر أمام اللجنة الدولية تأكيداً لعروبة الإسكندرون. كذلك ليؤكّد الأتراك للعالم أن تركيا الجمهورية اللادينية الجديدة قد تخلت عن دينها وإسلامها، وأنها أصبحت دولة أوروبية علمانية!
فما كان من النصارى الأرثوذوكس إلا أن فتحوا خلال ساعة واحدة من المنع التركي كنائسهم البيزنطية الرومانية وأحالوها مساجد للمسلمين يؤدون فيها صلاة الجمعة في أعظم مهرجان وطني قومي. وصلّى المسلمون لأول مرة في حياتهم صلاة الجمعة في الكنائس إلى جانب النصارى. ووقف خطيب المسلمين في هيكل المسيح يتلو القرآن وصعد مؤذنهم إلى قبة الناقوس ليرفع الآذان".
ويقول في موضع آخر:"وعلينا أن لا ننسى أن الحملة الصليبية الرابعة قامت أصلاً ضد الأرثوذكسية الشرقية في محاولة أخيرة لجرّ الكنائس الشرقية إلى السيطرة الأوروبية الغربية أكثر مما قامت ضدّ المسلمين، وهي قتلت من المسيحية بقدر ما قتلت من المسلمين ودمّرت من كنائس وأديرة المسيحيين أكثر مما دمّرت من مساجد وممتلكات المسلمين"(ص.58 و90).
ويقول:"ومن الواضح في تاريخ بلاد الشام،أن الروم الأرثوذكس انفصلوا عن بيزنطية مع الفتح العربي انفصالاً كلّيّاً، ويعطي المطران جورج خضر مثلين على ذلك:الأول:عندما استعاد صلاح الدين الأيوبي أنطاكية من الفرنج، أعاد معه البطريرك الأرثوذكسي  إليها، أي أن الأرثوذكس اتّخذوا موقفاً واضحاً مؤيّداً للمسلمين، والثاني:عندما استعاد الروم سورية في القرن العاشر كان البطريرك الأنطاكي الأرثوذكسي آنذاك مؤيداً للحمدانيين ضدّ الروم"(ص. 58).    

وماذا قال أوليفانت عن المسيحيين؟
ويلجأ البعض أحياناً إلى أسلوب عجيب غريب:فهم لا يقتبسون وإنما يقتطعون اقتطاعاً جزءاً غير متكامل من قول معيّن ليثبتوا ادعاءهم، حتى ولو كان غير صحيح، ويقلبون الآية رأسا على عقب!
هم يؤكدون على ما يقوله أوليفانت بالنسبة لليهود،متجاهلين (أو ربما جاهلين حقاً؟) من هو أوليفانت وعلاقته باليهود وبالحركة الصهيونية!
ويكفي التذكير بأن أوليفانت هذا مستشرق غربي اسكتلندي جنوب إفريقي مسيحي المولد، تأثر إلى أبعد الحدود بالحركة الصهيونية وصار من أقطاب حركة ما يمكن ترجمته باسم:"محبّي صهيون"، أقام الدنيا ولم يقعدها وهو يتصل بالسلطان العثماني وبسواه من أقطاب السياسة العالمية في عصره، ليستنهض هممهم لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، ولم يكن سكرتيره الشخصي سوى الشاعر اليهودي نفتالي هيرتس إيمبر، الذي اشتهر بشكل رئيسي كمؤلّف قصيدة "هتكفا"، التي اتخذت فيما بعد – وما زالت حتى اليوم - "النشيد الوطني" لدولة إسرائيل.
ويكفي للتدليل على موضوعية أوليفانت هذا ونزاهته في ما دوّن في كتابه اعترافه الصريح بأنه يبحث عن اليهود، وأن "عرّابه" الذي سعى إلى ترجمة كتابه عن حيفا وقدم له وكتب سيرة حياته هو عضو الكنيست الوزير السابق رحبعام زئيفي!
ورغم كلّ ذلك، فهو لا يستطيع إنكار عراقة المسيحيين وقدمهم وأصالتهم في البقيعة، ويعترف بذلك صراحة، لأن عين الشمس لا يمكن أن تغطى بغربال...
ومما يقوله أوليفانت عن المسيحيين في البقيعة إنه التقى أيضاً:"...הכומר של הכנסייה היוונית אשר עדין דבק בדוגמות שירש מן הנוצרים הראשונים שייתכן כי היו צאצאיהם של קדמונים אשר שמעו במו אזניהם תורה מפי ישו(ע) בארץ זו שלא עזבוה הדורות שאחריהם" وبالعربية: كاهن الكنيسة الأرثوذوكسية، الذي ما زال متمسكاً بالعقائد الدينية التي ورثها من المسيحيين الأوائل الذين من الجائز أنهم كانوا من نسل الأقدمين الذين سمعوا بآذانهم هم التعاليم الدينية من فم يسوع المسيح، في هذه الأرض،التي لم تتركها الأجيال التالية".
وقد يتحذلق متحذلق ما ويقول إن الكنيسة هي يونانية יוונית وإن على من يتحذلق هكذا أن يبحث عن الترجمة الدقيقة الصحيحة لهذه الكلمة،والتي ألصقت ظلماً وعدواناً بالكنيسة العربية الأرثوذكسية، لمجرد تسلّط الإكليروس اليوناني على مقدرات هذه الكنيسة العربية الأرثوذكسية العريقة، منذ القرن السادس عشر.
وهذا الكاهن قد ورث معتقداته الدينية المسيحية من المسيحيين الأوائل، الذين من الجائز أنهم من نسل الأقدمين.
ومن هم المسيحيون الأوائل؟ هل هم تلاميذ السيد المسيح ورسله الذين عاصروه وعاشوا في القرن الأول الميلادي؟ أم هم أوائل الذين تجرّأوا أن يجهروا بمسيحيتهم بعد أن زال شبح الخوف والاضطهاد الديني عن المسيحيين يوم أعلن الإمبراطور قسطنطين الكبير المسيحية ديناً رسمياً لإمبراطوريته، في أوائل القرن الرابع الميلادي، ووضع بذلك حدّاً لملاحقة المسيحيين واضطهادهم؟
إن كانوا من هؤلاء أو من أولئك، فهم هنا إما من زمن السيد المسيح عليه السلام، أو بعد ذلك بقليل، حيث كانوا مسيحيين سرّاً خشية الاضطهاد والملاحقة، أو على أبعد تقدير منذ عصر الإمبراطور قسطنطين، حيث جاهروا علانية بمسيحيتهم في أوائل القرن الرابع الميلادي!

والرأي الآخر!
استعرضنا فيما سبق آراء "باحثين" يحاولون أن يجعلوا من اليهود أول وأقدم من استوطن في البقيعة، رغم أنهم لا يقدّمون ولو دليلاً واحداً لتأكيد مزاعمهم!
ولا بدّ لنا الآن من استعراض ما يقوله أحد كبار باحثي تاريخ هذه البلاد وجغرافيتها، وهو يوسف برسلافسكي.
فبرسلافسكي هذا يتساءل غير مصدّق الادعاءات السابقة:"هل حقّاً بقي في "أرض إسرائيل" استيطان يهودي زراعي غير منقطع من القرون الأولى بعد خراب الهيكل (سنة سبعين للميلاد – م.ح.) حتى "بقيعين"؟ (ص. 155) ثم يذكر في حاشية تلك الصفحة ان "بقيعين" ذكرت لأول مرة في العام 1522.
ويردّ على تساؤله السابق بما معناه:"لم تصلنا أخبار عن قِِدَمِ بقيعين، وللاستنتاج الذي توصّل إليه بن تسفي والذي يؤكّد أن أمامنا مستوطنة لم تنقطع منذ أيام الهيكل الثاني، لا يوجد تأكيد تاريخي، بل على العكس، فإن عدة أسباب وتعليلات تجعل هذا الاستنتاج مثار شكّ وشبهة"!
ثم يورد سبعة أسباب مفصّلة تفصيلاً كاملاً ترفض استنتاج بن تسفي وتدحضه، وتنفي وجود يهود في البقيعة قبل القرن السادس عشر، رغم أنف الملكيين أكثر من الملك نفسه، والذين يعتبرون هذا الاستنتاج وكأنه منزل أو مقدّس، ونجمل هذه الأسباب فيما يلي:
1. لقد صدرت قبل القرن السادس عشر حوالي عشرة كراريس وكتب تتضمّن أسماء القرى اليهودية، وبشكل خاصّ الأماكن المقدسة التي كان يزورها اليهود في القرون الوسطى، ولم يُشِر أيّ من هذه المصادر لا إلى استيطان يهودي في "بقيعين" – بقيعة ولا لمغارة الحاخام شمعون بار يوحاي، ولا لقبر الحاخام يوسي ديمن بقيعين ولا لقبر الحاخام أوشعيا إيش طيريا، رغم أن هذه المصادر ذكرت الأماكن القريبة التي كان فيها يهود مثل كفار حنانيا (كفر عنان؟) وشازور (ساجور؟).
2. حتى أنّ القرن السادس عشر نفسه أورث لنا سبعة أو ثمانية كراريس وسجلات مفصلة للأماكن المقدسة (لليهود) في البلاد،وباستثناء رواية الحاخام موشي باسولا (ونسبتها للبقيعة ليست فوق الشكّ - م.ح.) فلم يذكر اليهود في البقيعة أيّ من هذه السجلات، ولا قبر الحاخام يوسي ديمن بقيعين ولم يعرف مؤلفو هذه الكراريس والسجلات ولو حرفاً واحداً عن قداسة بقيعين...
3. حتى يهود بقيعين - البقيعة أنفسهم ليسوا متأكدين ممّا يقولون ولا من صحّة روايتهم (أو صدقها)، وبعضهم ينسب القبر إلى الحاخام أوشعيا إيش طيريا وبعضهم ينسب القبر نفسه إلى الحاخام يهوشع بن حنانيا.
4. تذكر عدة مصادر أن قبر الحاخام يوسي ديمن بقيعين موجود إلى جانب الطريق الموصل من صفد إلى الجش (جوش حلاف؟) ولا تشير البتّة لوجود يهود في البقيعة.
5. إن الرواية عن مغارة بار يوحاي تذكر دائماً وبِنَفَس واحد مع أشجار الخروب القريبة منها،وفي القرن الحادي عشر لم تكن في المكان أشجار خروب ولا حتى مغارة، ويقول مؤلف كتاب "חברת ירושלים":"שם בקיעה גדולה!"(هناك شقّ كبير وليس مغارة!)
6. لا توجد أيّة إشارة للاسم بقيعين في القرن السادس عشر نفسه قطّ، بل على العكس فإن مصادر متأخرة عن القرن السادس عشر تذكر اسم البقيعة وليس بقيعين.
7. ثمة من يقول إن يهود البقيعة هاجروا إليها من كفار حنانيا (ولم يجيئوا من القدس بعد خراب الهيكل).
ويخلص برسلافسكي إلى القول ما معناه إن كلّ الحلول (بالنسبة إلى قِدَم الاستيطان اليهودي في البقيعة) تخالف أو تعارض الحلّ الذي يقول به بن تسفي، إذ لم يثبت أن الاستيطان اليهودي في البقيعة استيطان متواصل وغير منقطع، وأن بدايته في عصر المشناه، فالمصادر التي من القرن السادس عشر وما بعده تثبت أن الرواية التي كانت رائجة في القرية لم تنتشر إلا خلال القرون الأخيرة!
حقّاً إنّ الرواية عن قبر الحاخام أوشعيا إيش طيريا والرواية عن مغارة الحاخام شمعون بار يوحاي نشأتا حوالي القرن السادس عشر، لكنها لم تنتشر حينها بين سكان البلاد ولم تتضمنها كراريس وسجلات القبور المقدسة في تلك الفترة، وأما الرواية عن قبر الحاخام يوسي ديمن بقيعين وانتساب حاخامي البقيعة إليه فقد نشأت بالتأكيد بعد القرن السادس عشر...والاسم بقيعين لم يكن معروفاً في القرن السادس عشر!(ص. 174ويضيف برسلافسكي في مكان آخر:"لا يمكن الإثبات أن بقيعين نفسها هي مكان استيطان يهودي قديم، لم يذهب أبداً إلى المنفى..."(ص. 175) 

بعيداً عن البقيعة!
ويخيّب برسلافسكي آمال الذين يزعمون أن مغارة الحاخام شمعون بار يوحاي في البقيعة، ويقارن بين عدة نسخ من المخطوطات التي ذكر فيها هذا الاسم أو أسماء مشابهة،ويوازن بين هذه المخطوطات، ومن ثم يستنتج أن الأسماء בקע פקע בקא פקיעין وشبيهاتها كلها نجمت عن خطأ سمعي لغوي لفظي، حيث أن الذي قرأ الرواية التي تضم التعبير ואתבקע (انفجر،انبثق) أو سمعها، قام بتحريف هذه الرواية وربطها فوراً بأكثر الأسماء شبهاً بها وقرباً منها، ألا وهو اسم البقيعة أو بقيعين.(ص. 177)
ويقول إن وصف المغارة ومنطقتها في كل المصادر يشير إلى أنها كانت موجودة في منطقة رمال، حيث أن الحاخام شمعون وابنه كانا يجلسان كل يوم (ويدفنان نفسيهما) في الرمل حتى العنق، ليحافظا على ثوبهما الوحيد من البلى (ص. 178)، وعليه فلا بد أن تكون المغارة في منطقة رملية قريبة من شاطيء البحر، ومن المرجّح في جنوب "أرض إسرائيل" (ص. 178)، وتقول إحدى الروايات أنّها في صحراء اللد ב"מדברא דלוד", ويوفّق برسلافسكي بين الروايات المختلفة ويشير إلى أن الحاخام شمعون وابنه كانا يأكلان ثمار الخروب (الرديء) والتمر المتوفرة قريباً من مخبئهما، ولذا فلا بدّ لهذا المخبأ من أن يكون في منطقة رملية تنمو فيها أشجار الخروب (الرديء) وأشجار النخيل، ولا يمكن أن يكون هذا المكان لا في البقيعة وليس في الجليل أبداً، وإنما قريباً من البحر، وفي جنوب البلاد.
ويلخّص قائلاً إن الاسم בקע هو تحريف عن كلمة ואתבקע (ص. 179)  وتسبب في ظهور الأسماء الأخرى مثل פקא و פקע وسواهما،وأن مكان اختباء الحاخام شمعون لم يكن هنا أبداً (לא היה ולא נברא) وأن الرواية عن اسم بقيعين التي ظهرت لأول مرة وليس بشكل كامل في القرن السادس عشر ليست بأقدم من هذا التاريخ،وبسبب التشابه في اللفظ بين פקע-בקע والبقيعة  ربطوا بين هذه الأسماء، ونشأ الاسم بقيعين وانتشر لأول مرة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر!
هذا ما يقوله الباحث اليهودي الضليع برسلافسكي:البقيعة ليست بقيعين إياها،والحاخام شمعون بار يوحاي إياه لم يكن هنا يوماً، وإنما بعيداً جداً عن البقيعة، قريباً من شاطئ البحر، في جنوب البلاد، في منطقة تنبت الخروب الرديء والنخيل الجيد!
أضف إلى ذلك أن التلمود يذكر أنّهم راحوا يستقبلون الحاخام يوسي ديمن بقيعين بين يبنة واللد(!) وأن ثمة أكثر من مكان يحمل اسم البقيعة.
ويعرف القاصي والداني ارتباط يهود البقيعة بشمال إفريقيا لغة ولهجة وعادات وتقاليد وأسماء وكنى، مما قد يشير إلى موطنهم الأصلي الذي جاؤوا منه بعد طرد اليهود من أسبانيا في العام 1492 وقدومهم إلى الإمبراطورية العثمانية ومحاولاتهم إقامة "إمارات" (أو "أوتونوميات") يهودية في منطقة طبريا وصفد بعد ذلك ببضعة عقود.
فهل بعد كل هذا نعتبر البقيعة يهودية ومن أقدم العصور؟
أم أن "عنزة" هؤلاء "الباحثين" ستظل "عنزة" حتى ولو تبين أنها نسر وطار محلقاً في عنان السماء؟
وبعد... وبعد، فثمة أمور لا بدّ من الإشارة إليها ولو باقتضاب وإيجاز،منها:
إن القرى والمدن الجديدة كانت تقام على الغالب على أنقاض مدن وقرى خرّبتها صروف الدهر ودمّرتها الحروب المتعاقبة التي طالما عرفها الشرق الأوسط، كما أن مدناً وقرى كثيرة كانت تبنى من أنقاض المدن والقرى المدمرة،والتي استعملت موادّ بناء للمدن والقرى الجديدة، إن كان في نفس المكان، أو في مكان بعيد أو قريب آخر كانت تنقل إليه.
وثمة من كان يقوم وبشكل مقصود ومتعمد بنقل بعض الآثار من مكانها الأصلي إلى مكان آخر، وبطمس الآثار القديمة متذرّعاً بذرائع "الترميم"، منتهزاً الفرصة للعبث بها وإزالة معالم معينّة وإضافة معالم جديدة إليها وهو لا يهدف من وراء ذلك إلا إلى المسّ بأصحاب الآثار الحقيقيين وطمسها ونسبتها إلى سواهم، والنماذج كثيرة وقد تشمل حتى مقامات وأماكن مقدسة...
ومنها:إن في البقيعة ومنطقتها أكثر من بقايا استيطان قديم، وعدد ليس بقليل من الخرائب والأنقاض التي كانت يوماُ ما مدناً وقرى عامرة ومزدهرة تنبض بالحياة، فحوّلتها الأحداث أثراً بعد عين، ولا يستطيع أحد أن يجزم أن هذه الخربة أو تلك كانت البقيعة، أو بقيعين أو سواهما.
ومنها أن الجليل كان يسمى قديماً وفي أيام ازدهار المملكة اليهودية وبعد ذلك باسم "جليل الأمم" أو "الأغيار""גליל הגויים" ولم يكن منطقة يهودية كاملة قطّ، رغم الاستيطان اليهودي في بعض أجزائه!
وتشير المصادر المختلفة إلى أن الاستيطان اليهودي بدأ بشكل ملحوظ بعد طرد اليهود من إسبانيا في العام 1492 وقدوم قسم كبير منهم إلى الإمبراطورية العثمانية بعدة عقود،وحصول زعمائهم على "فرمانات" سلطانية تسمح لهم بإقامة الإمارات وال"أوتونوميات" المختلفة في منطقة صفد وطبريا القريبتين.
ولقد سبق أن حدثني أكثر من شيخ من الأفاضل المشايخ الدروز الأجلاء قائلاً إن أول من استوطن البقيعة كان المسيحيون، يؤكّد ذلك امتلاكهم للجزء الأكبر أراضي ما يسمى بأرض "الجدر" المحيطة بالقرية، والجزء الأكبر من الأراضي المحيطة بعين الماء التي في وسط القرية،وهي المصدر الرئيسي لتزويد القرية بالماء،حيث كانت القرى تبنى في العادة قريباً من مصدر ماء للسيطرة عليه، (وحسب إحدى "حكايات المكان" إنما بنيت البقيعة في مكانها الحالي هذا بسبب وجود العين!)
ولن يكون بعيداً عن الحقيقة أبداً إذا قلنا إنّ المسيحيين هم سكان البقيعة الأوائل والأقدمون، الذين عاصر أجدادهم السيد المسيح عليه السلام وسمعوا تعاليمه وبشارته بآذانهم كما قيل لأوليفانت وتقبلوا رسالته السماوية واعتنقوا الديانة المسيحية، وجهروا بها عندما أمكن ذلك أيام الإمبراطور قسطنطين العظيم في بداية القرن الرابع للميلاد، ويعرف الجميع أن الجليل كان من أكثر مناطق فلسطين التي تجول فيها السيد المسيح ونشر تعاليمه. أما القول إنهم من الصليبيين فهو رأي أخرق، ليس بينه وبين الرأي السديد من شيء!

وأخيراً...
وأخيراً وليس آخراً، لا بدّ لنا من القول إنه ليس من المهمّ أبداً من استوطن البقيعة قبل سواه، فليست هذه سوى وقائع تاريخية تحفظها كتب التاريخ ورواياته القديمة.
وإنّ أهم ما يميّز البقيعة هو التعددية الدينية والتعايش والتسامح، والقيم السامية الأخرى التي تسود البقيعة بجميع جميع طوائفها وسكانها على اختلاف انتماءاتهم الدينية والعائلية والجغرافية والسياسية والحزبية، ويستظلّون بظلّها الوارف، ويقيناً أنه ستظلّ الأكثرية الساحقة من سكان البقيعة تصون هذه الروح الأصيلة وتحرص على تنميتها ورعايتها، وتشجّع التعايش والتآخي والتسامح، أبد الدهر!

ביבליוגרפיה נבחרת
אוליפנט לורנס: חיפה: כתבות מארץ-ישראל,הוצאת יד יצחק בן-צבי,ירושלים תשל"ז
אטינגר שלום: הציונות,הבעיה הערבית והמנדאט הבריטי,הוצאת קרני,תל-אביב 1987
אנציקלופדיה "יודאייקה": כרכים שונים
באסולה משה:מסעות ארץ-ישראל לרבי משה באסולה (מה"ד בן-צבי),ירושלים תרח"ץ
בן-צבי יצחק: ארץ ישראל ויישובה בימי השלטון העות’מאני,ירושלים 1955
בן-צבי יצחק: הישוב היהודי בכפר פקיעין, הוצאת ספרים אחדות העבודה,תל-אביב תרפ"ב (1922)
בן-צבי יצחק:שאר ישוב,ירושלים תשכ"ז
בריל עפרה: "מאגדות פקיעין",חותם (מוסף "על המשמר"),20.4.1979
ברסלבסקי יוסף:לחקר ארצנו:עבר ושרידים,הוצ’ הקבוץ המאוחד,תל-אביב תשי"ד 1954
האניצקלופדיה העברית:כרכים שונים
וילנאי זאב:מדריך ארץ ישראל,ירושלים תשי"ב
וילנאי זאב:מצבות קודש בארץ ישראל,ירושלים תשי"ג
חדאד מנעם:מאגדות פקיעין,הוצאת אורנים,חיפה 1980
חדאד מנעם:פקיעין:אגדה,הווי ומסורת,הוצאת עם עובד,תל-אביב 1987
ידעיה משה (עורך):מערבו של גליל וחוף הגליל,ירושלים תשכ"ח
לוינסקי יום-טוב: אנציקלופדיה של הווי ומסורת ביהדות,שני כרכים,תל-אביב תשל"ו
קליין ש.,:ארץ גליל מימי העלייה מבבל עד חתימת התלמוד,ירושלים תש"ו

كتب مختارة
ألدمشقي شمس الدين:كتاب نخبة الدهر في عجائب البرّ والبحر، بغداد 1327 هـ
ألريّس رياض نجيب: ألمسيحيون والعروبة،منشورات رياض الريس،لندن 1988
فريحة أنيس: معجم أسماء المدن والقرى اللبنانية وتفسير معانيها،دراسة لغوية، طبعة ثانية منقّحة،مكتبة لبنان،بيروت 1972
* نُشر في جريدة "الصنّارة" من تشرين الثاني 2007 حتى كانون الثاني 2008

 

 

0 תגובות התפרסמו לכתבה זו
מבזקי חדשות
YNET : גרמניה: "יו-טיוב" חוייב לפצות הזמרת שרה ברייטמן על הפרת זכויות
Sat, 04 Sep 2010 02:05:55
YNET : סימס לשוטר במקום לסוחר: "אחי, יש לך בוף?"
Sat, 04 Sep 2010 01:29:43
YNET : ארה"ב: ישראלי נאשם בפרשת סחר בבני אדם
Sat, 04 Sep 2010 01:13:38
YNET : קליפורניה והממשל הפדרלי הסכימו לטפל בזיהום גרעיני - מ-1959
Sat, 04 Sep 2010 01:04:22
YNET : הרשות במספרים: טלוויזיה בכל בית, 100 בתי מלון
Sat, 04 Sep 2010 00:01:58
YNET : וול סטריט נסגרה בעליות: נאסד"ק עלה ב-1.53%
Sat, 04 Sep 2010 00:01:03
בחסות אתר מבזקון
Bookmark and Share